ابن عربي

271

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

فإن قلت هذا الحق أظهرت غائبا * وإن قلت هذا الخلق أخفيته فيه فلولا وجود الحق ما بان كائن * ولولا وجود الخلق ما كنت تخفيه « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ » من الخيانة لشهادتي عليكم حين قبلتم الأمانة لما عرضتها عليكم ، فكنتم تختانون أنفسكم لما حجر عليكم فيما حجره عليكم ، فما أراد هنا تعلق علمه تعالى بأنهم يختانون أنفسهم ، وإنما المستقبل هنا بمعنى الماضي ، فإن اللسان العربي يجيء فيه المستقبل ببنية الماضي إذا كان متحققا ، كقوله تعالى : ( أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ ) وشبهه ، وقد كان الحق كلفهم قبل هذا التعريف أن لا يباشر الصائم امرأته ليلة صومه ، فمنهم من تعدى حد اللّه في ذلك ، فلما علم اللّه ذلك عفا عمّن وقع منه ذلك وأحلّ له الجماع ليلة صومه ، إلا أن يكون معتكفا في المسجد ، فما خفف عنهم حتى وقع منهم ذلك ، ومن من شأنه مثل هذا الواقع فإنه لا يزال يتوقع منه مثله ، فأبيح له رحمة به ، حتى إذا وقع منه ذلك كان حلالا له ومباحا وتزول عنه صفة الخيانة ، فإن الدين أمانة عند المكلف « فَتابَ عَلَيْكُمْ » أي رجع عليكم « وَعَفا عَنْكُمْ » أي بالقليل الذي أباحه لكم في زمان الإحلال الذي هو الليل ، وإنما جعله قليلا لبقاء التحجير فيه في المباشرة للمعتكف في المسجد بلا خلاف ، وفي غير المسجد بخلاف ، والمواصل « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » وهو زمان الفطر في رمضان « وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » واطلبوا ما فرض اللّه من أجلكم حتى تعلموه فتعملوا

--> ( 1 ) لعله : الاجتماع أو الجماع .